مؤيد الدين الجندي

723

شرح فصوص الحكم

بالمتنفّس بذلك النفس المنفّس عن نفسه وعمّا في نفسه ، كما مرّ ، فتذكَّر . ثمّ الكراهة والطيب المتقابلان عارضان على حقيقة النفس من جهة المتنفّس والمحلّ القابل ، فهو من حيث الأصالة النفسية طيّب كلَّه ، ثمّ غير الطيّب والطيّب بحسب المدرك والمدرك ، فيحمد ويذمّ ، ويكره ويحبّ بحسب القابل ومزاجه ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : « ولمّا انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب - كما قرّرناه - حبّب إليه الطيّب دون الخبيث ، ووصف الملائكة بأنّها تتأذّى بالروائح الخبيثة لمّا في هذه النشأة العنصرية من التعفين ، فإنّ مخلوق من صلصال من حماء مسنون ، أي متغيّر الريح ، فتكرهه الملائكة بالذات ، كما أنّ مزاج الجعل يتضرّر برائحة الورد وهي من الروائح الطيّبة ، فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيّبة . ومن كان على مثل هذا المزاج معنى وصورة ، أضرّ به الحق إذا سمعه وسرّ بالباطل وهو قوله : * ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِالله ) * « 1 » ووصفهم بالخسران ، قال : * ( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * « 2 » * ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) * « 3 » ، فإنّه من لم يدرك الطيّب من الخبيث ، فلا إدراك له ، فما حبّب إلى رسول الله إلَّا الطيّب من كل شيء وما ثمّ إلَّا هو ، وهل يتصوّر أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلَّا الطيّب من كلّ شيء ولا يعرف الخبيث أم لا ؟ [ قلنا ] هذا لا يكون فإنّا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه ، وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحبّ ، ليس الخبيث إلَّا ما يكره والطيّب إلَّا ما يحبّ ، فالعالم على صورة الحق والإنسان على الصورتين ، فلا يكون ثمّ مزاج لا يدرك إلَّا الأمر الواحد من كل شيء ، بلى ثمّ مزاج يدرك الطيّب من الخبيث مع علمه بأنّه خبيث بالذوق ، طيّب من غير الذوق ، فيشغله [ إدراك ] الطيّب منه عن الإحساس بخبثه ، هذا قد يكون ، وأمّا رفع الخبيث من العالم - أي من الكون - فإنّه لا يصحّ » . يشير - رضي الله عنه - إلى ارتفاع الخبيث عن الإدراك ، وإلَّا فمن حيث أعيان الأشياء وما به هي هي ، ومن حيث الوجود الحق المتعين بكل شيء فليس شيء في

--> « 1 » العنكبوت ( 29 ) الآية 52 . « 2 » العنكبوت ( 29 ) الآية 52 . « 3 » الزمر ( 39 ) الآية 15 الشورى ( 42 ) الآية 45 .